المنسق العـامعميد طارق حسن
رئيس مجلس الإدارةعميد أ.ح أحمد عبد الله
الرئيس التنفيذيأسعد عثمان

المــرأة … وإشكــالية الانفــصام الأدبي

  • شريط الاخبار , مقالات
  • الثلاثاء 30 يوليو 2019 بتوقيت 7:08:08 مساءً
  • 255 مشاهدة
  • كاتب الخبر : اسعد عبد الفتاح
المــرأة … وإشكــالية الانفــصام الأدبي

 

بقلم محمد دحروج

لا يلجُ المـرء إلى ساحة الباطل إلا لواحدٍ من أمـرين ؛ فإما أنـه يقتحم الزيف
جهلاً بـه ، أو لأنّ الله يضع المرء حيث ميل القلب والهوى، وكما قال ابن عبّاس رضي الله عنه من كون الفتى لا يـزال يجمع الذنب إلى الآخر فإذا بالقلب نكتةٌ سوداء لا تلبث أن تنضمّ إليها مثلها حتى يصير الإثم كالجبل .

وكذلك ، فأحسب أنَّ الله يُبعدُ عبده عن الإثم على قـدر نـقاء قلبه وصلاح
ضميره .

فإذا سألتني : فكيف يـُقدِّر الله على امرىءٍ قـدرًا ما ، في هـذا القدر صلاحه
وفساده معًا ، كوجود مثقّفٍ حاز الشُّهرة وما يجتمع إليها من أمور استقرار الحياة ثم كانت هذه الشُّهرة وبالاً عليه من جهة الأخلاق عن طريق المرأة التي هي أعظم الفتن التي تعرضُ على قلب الإنسان ؟

أجبتك قائلاً:بالمثال يتَّضح المقال .. أرأيتَ لو أنَّ فتىً ظلَّ يكتبُ ويؤلِّفُ طوال
حياته فلم يجن من وراء ذلك إلا مزيد فـقـرٍ وكـثرة همٍّ ، وكان يأبى أن يُغامر بالتواجد في عاصمة بلاده إذ كان ريفيًّا طيِّـبًا لا يعرفُ غير السكينة ولا يريد بحالٍ أن يترك بيته وأرضه غير أنَّ الأحوال فرضت عليه ذلك فرضًا فلم يجد مناصًا ولا مفرًّا من الخروج ، فكانت التجـربة … ولأنـه كان يجمع بحوزته كثيرًا من الفنون ، أي من القدرة على التأليف فيها، ولأنها كان ذهنيَّة قادرةً على التكيُّف مع واقعيّة النشاط الثقافي من بعد ما درس خارطة العمل بـه ، ولأنه كان أمينًا صادق اللهجة فصيحًا ذا لسانٍ يجيد ممُارسة الكلام حسب طبيعة الأحوال ؛ فما هي إلا أشهر ، مهما طالت إلا أنها تُعدُّ بالأشهر لا بالسِّنين،حتى حقَّق ما تمنَّى وظفر بما كان يظنُّ أنـه لا يكون أبدًا إلا بعالم الخيال ودنيا الأوهام ، فأنت مع هذه الحكاية أمام حالةٍ تستوجبُ التأمُّل ، فإذا علمتَ أنـه على قـدر شُهـرتـه الوافرة ما كان يتمنَّى إلا أن يخرج من هذه الأرض ليرجع إلى بلدته التي أخرجته إذ كان كما قلتُ لك لا يؤثر شيئًا كالسكينة ، ولا يقدِّم أمـرًا على هـدوء النفس والبُعد عن حياة الصَّخب والضجيج، لا سيّما وأنه قـد آمن من بعد التجربة أنها ثقافة زائفة وأنه أدبٌ سيىءُ الأدب، وأنها عقولٌ مُختلَّة ونفوسٌ أمرضها حُبُّ الظهور ولو كان غير مُستندٍ إلى حقائق ثابتةٍ مـن العلم والعقل والحكمة … إذا علمتَ ذلك ، ثم أخبرتك أنه كان دائم الدُّعاء بقُرب الفرج ليهرب إلى حيث موضعه الذي منه جاء ؛ فربما قُلتَ إنَّ الأمر آنئـذٍ إنما هو سـرٌّ من أسرار الله الذي يَمُنُّ على عبده بما أراد لعلمه أنـه كان مخلصًا في دعائه وأنـه ليس من الماكـرين الذين إذا سقطت إليهم الدنيا تنكَّرُوا لواهبها ومُعطيها .

فإذا ما قلبت العملة النقدية وجدت وجهًا آخـر مُخالفًا مُناقضًا للوجه الذي
كنتَ تتأمَّلُ ، رأيت وجهًا أسود كالِحًا يفيضُ بالقُبح ويمتلىء بالذنوب والآثام ، فإذا ما سألت عن سرِّ هذه الآثام وجدتها لم تحتشد معًا لأسباب مختلفة وعلل متباينة ؛ وإنما هو سببٌ واحدٌ وعلَّةٌ مُفردةٌ ، وإذا بالسِّرِّ كلّه يكمن في المرأةِ ، وهُنا رأيتَ المسألة تنقلبُ عليكَ وكأنها لم تكُن ، وطولب العقلُ بإعمال مُفرداته لمباحثة القضيّة مرَّةً أخرى .

غير أنَّ العقول الحكيمة لا تحار،وغير أنَّ صاحب التجربة والوعي لا يجد عنتًا
لإخراج الجواب إذا ما وقف على سياقة الفرد الاجتماعية التي هي ظرفه التاريخي أيضًا ، واعلم أنـه لا يضرب الحقَّ في الباطل فإذا بالناتج هو الباطل ، هكذا من دون رويـَّةٍ ولا اعتدالٍ وسكينةٍ وتأمُّلٍ حيال النظر إلا ذو العقل المعكوس والنفس المأفونة والفهم الضئيل والضمير السَّمِج ، الذي يُبرـِّر لنفسه ما ترفضه الإنسانيّة الخلاّقة المؤمنة ، ويرفض من جهةٍ أخرى أن يعترف بإنسانية الآخر لوجود أدنى شابكةٍ من باطلٍ أو سوءٍ وإن كان هذا الباطل يخضع لظرفٍ وكان السُّوء مُدرجًا تحت قاعدةٍ من قواعد علوم النفس والاجتماع التي لا تـرى العصمة لأحدٍ من الأسوياء إبـَّان المحنة والبلاء .

إنَّ انتقال المـرء من حياة الفطرة الساذجة إلى دنيا الحـضارة المتراكبة المتناقضة ،
يجعلُ منه آيـةً بين القوم إذا ما كان ممتلكًا لذهنٍ وقّادٍ وفكرٍ عاملٍ نشطٍ إذ كانت الميزة آنئذٍ هي اجتماع هذه الميزات إلى جنب الطبيعة الفطرية التي هي صدقٌ وأمانةٌ وإخلاص طبعٍ ، وهو ما لا تجده عند أبناء المدن الصاخبة وإن امتلكوا الذهن والفكر العامل النَّشِطَ ؛ غيـر أنَّ ارتدادًا تاريخيًّا إلى زمنيّة البداوة يحملك على الإيمان بأنـه مهما امتلك المـرء من آليات القدرة على الصِّدام الحضاريّ والتكيُّف مع الحضارة الجديدة إلا أنَّ شيئًا من السذاجة يظلُّ معه حتّى إذا ما تجلَّت الأحوال الداعية إلى ظهور هذه النقطة الساذجة العالقة بالقلب والعقل معًا ؛ فقد آمنَّا باحتماليّة حـدوث الأمـر ووقوعه ، فإذا ما أخبرتكَ السِّياقة الزمنيّة الاجتماعيّة أنَّ الحرمان والألم والشعور بالضياع النفسيّ كُلّ ذلك كان ركيـزةً رئيسةً من ركائز هذه الذات الإنسانيّة؛ فـقد بات الاحتمال أقوى وأشدّ،إذ فاقد الشيء ينتظره،بل يسعد بـه ، وإن كانت هـذه السَّعادة من المهلكات ، غير أنَّ اشتباك السِّياقة القديمة والظرف التاريخيّ الآنيّ وما أخبرتك بـه عن طبيعة هذه الذات ، التي هي حرمانٌ وألمٌ وضياعٌ ؛ كلّ ذلك يوجبُ على المُنصف أن يتريَّث قبل أن ينال من صاحب التجربة .
وإن كان صاحبها لا يُبرِّىء نفسه ولا يزعم ملائكيّة ولا معصوميّةً بشريةً .

وإني لعلى يقينٍ أنَّ أبناء هذه المدنيّة المزعومة يرون المرأة المعشوقة أو الراغبة في
العشق أمرًا غير منكورٍ وظاهرةً من ظواهر الاجتماع التي لا يرفضها إلا الرهبان = غير أني حينما أتحدّث عن المدنيّة فإنما أريـد تلك الحياة العصرية التي توفُّر للإنسان مطالب العيش في زمنٍ قصيرٍ وجهدٍ قليلٍ إذا ما توافرت القدرة الشخصيّة على بناء قاعدةٍ اجتماعيّة من العلاقات الإنسانية الفاعلة ، وأما إذا تعارضت الحضارة مع صورة من صور الجمال الإنسانيّ والإيمانيّ فلا بد من تقديم السذاجة على الحضارة في هذه النقطة ما دامت السذاجة هي كلّ الإيمان وهي كلّ الإنسانيّة … وإنما يحاكم العاقل نفسه إلى ما يعـرف من الحقِّ ، ولا يُسوِّغ لنفسه شـرًّا تحت مظلَّة تسويغ الجموع الجاهلة له،وإن كانت هـذه الجموع مُنتسبةً إلى المدنيّة المُحرِّكة لعجلة التقدُّم الدافعة لمسيرة الثراء والازدهار .

سأختصر القول اختصارًا ، فأقول:
لقد حادثتني منذ وقتٍ قريبٍ ، فطـرحت فكرة العـودة إلى العاصمـة لمـمارسة
النشاط الثقافي بصورة أقوى ، وأخذتَ تذكر من مبرِّرات التواجد هناك ما قـد ذكرتَ ، ولقـد حاولتُ أن أذهـب بك ومعك مذاهب من القول لأُقنعك أنَّ الحياة الهادئة التي تحمل على الإيمان الذي هو تقـوى واطمئنان إلى الهداية يحمل على الهدوء والسكينة ، أنَّ هذه الحياة هي أفضل ألف مرَّةٍ من حياةٍ تلُفُّها الأضواء غير أنَّ الذنوب الوقحة تحتوشها ، ومتى صلحت فطرة الإنسان تعكَّر وجدانه بمواقعة الخطأ ومُلازمة الفساد، والحفاظ على الوجدان الذي هو ضميرٌ وحِسٌّ أوجب من الحفاظ على شُهرةٍ أعرفُ سرَّها ومكامن وجودها وكيفية واستخراجها من بين هذه المكامن متى أردتُ ، وأيُّ شُهـرةٍ تبعد عنِّي إذا كانت هي ما ذكرتَ ، وكُلّ ذلك أفعله بإصبُع من أصابعي وأنا جالسٌ هنا ؟

ثمَّ قلتُ لك : إذا كانت الشُّهـرة هي حضور لقاءٍ بالتلفاز مـرةً في كلِّ شهـرٍ أو
شهرين فإنَّ ذلك لي متى أحببتُ ، وإذا كانت هي حضور فاعليّات كبيرةٍ مرَّةً في كلِّ شهرٍ أو شهرين فإنَّ ذلك مما أفعلُ أنـَّى رغبتُ،وإذا كانت الشُّهرة هي الجلوس على المنصَّات فإنَّ ذلك مما يُعـرضُ عليَّ مـرَّةً في كلِّ شهرٍ أو شهرين ، وإذا كانت الشُّهرة هي التأليف والنشر بالمؤسسات الكبيرة، فما تقول في رجلٍ نشر تسعة وثمانين كتابًا بلبنان والأردن ومصر والهيئة المصرية الحكومية وما زال يؤلِّف ، وما زال ينشر، ولو فرغ من مائة كتابٍ في المساء لنشرها في الصباح ، على أنه لا ينشر من ماله ، ولا ينتظر من ناشـرٍ أن ينشر له على نفقة مؤسسته ؛ بل هو لا ينشر إلا بعد الحصول على قـدرٍ من المال ـ ولو كان قليلاً ـ مقابل نشـر العمل لأعوام محدودة تعود من بعدها الحقوق إليّ ؟

فأيّ شُهرةٍ أحتاج إليها من بعد ذلك ـ

فإذا ما زعمتَ أنَّ شيئًا من الشُّهرة الزائدة يكون مع الإقامة بالقاهرة وتـرك
الريف ؛ قُلتُ لك : أنا في غناءٍ عـن هذه ( الزائدة ) إذا ما كانت ضريبتها أن أبذل شيئًا من دِيني ، ولقد خسرته مرَّةً ، فلا أحبُّ أن أخسره مرَّتين … والسَّلام .

إلى الشاعر الأستاذ جمال أبو أسامة
المخلص
محمد محمود دحروج
عصر الثلاثاء 2019 / 7 / 30

الرابـط المختصر:

شارك برأيك وأضف تعليق

البحث فى جوجل

جميع الحقوق محفوظة لموقع وجريدة حكاية وطن 2019 ©